أبرز العناوين

أصدقاء المخطوطة

الأحد، 22 ديسمبر، 2013

سيكولوجية العبيد ... بقلم / محمد نبيل

محمد نبيل

" العبيدُ هُمُ الذين يهربون من الحرية .. فإذا طردهم سيد بحثوا عن سيدٍ آخر ، لأن في نفوسهم حاجة ملحة إلى العبودية ..
لأن لهم حاسة سادسة أو سابعة .. حاسة الذل .. لابد لهم من إروائها ، فإذا لم يستعبدهم أحد .. أحست نفوسهم بالظمأ إلى الاستعباد ، وتراموا على الاعتاب يتمسحون بها , ولا ينتظرون حتى الاشارة من إصبع السيد ليخروا له ساجدين ..

العبيدُ همُ الذين إذا أُعتقوا وأُطلقوا .. حسدوا الأرقّاء الباقين فى الحظيرة .. لا الاحرار المُطلقي السراح ...  لأن الحرية تخيفهم , والكرامة تُثْقِلُ كواهلهم ..

العبيد هم الذين لا يجدون أنفسهم إلا فى سلاسل الرقيق , فإذا انطلقوا .. تاهوا فى خضم الحياة وضلوا فى زحمة المجتمع وفزعوا من مواجهة النور وعادوا طائعين يدقون أبواب الحظيرة ويتضرعون للحراس أن يفتحوا لهم الأبواب ..

والعبيد - مع هذا - جبارون فى الأرض .. غلاظٌ على الاحرار .. يتطوعون للتنكيل بهم ويتلذذون بإيذائهم وتعذيبهم .. ويتشفون فيهم تشفى الجلادين العتاة .. إنهم لا يدركون بواعث الأحرار للتحرر ، فيحسبون التحرر تمردا والاستعلاء شذوذاً والعزة جريمة ، ومن ثم يصبون نقمتهم الجامحة على الأحرار المعتزين الذين لا يسيرون في قافلة الرقيق "


إنها كلماتٌ أكثر من رائعة على شدة خطورتها ومقدار الألم الذى خلفته فى نفسى - وأعتقد فى نفوس كل من يقرؤها - ومقدار عمق المأساة التى يعانيها أولئك العبيد الذين نجح المفكر الاسلامى سيد قطب فى تشخيص حالهم باسلوبٍ مؤثرٍ فريد.

وقد اجتهدتُ فى وصف هذه الحالة الانسانية الشاذة .. التى اكتشفت - للأسف - انتشارها بين الكثير من أبناء وطننا العربى الكبير .. والتى أرى أنها تخالف الفطرة الربانية السليمة المبنية على أساس الحرية الكاملة فى الاعتقاد وفى الأقوال والأفعال .. إلا ما أراد الله تقييده بحكمته المطلقة , فلم أجد لفظاً يمكن أن يعبر عن هذه الحالة بكل دقة أفضل من " سيكولوجية العبيد " ..

كما اجتهدتُ - بفضل الله - فى توصيفها فوجدت أنها مجموعةٌ من السلوكيات الإنسانية - والحيوانية كذلك - والتى أفرزتها مجموعةٌ متجانسةٌ من المؤثرات المتنوعة .. كالغرائز والدوافع والتعلم والخبرات الحياتية المختلفة والبيئة المحيطة بثقافاتها المتداخلة .. والتى تُشكل بدورها سلوكاً جماعياً أو اتجاهاً اجتماعياً يسود أو يسيطر على نسبةٍ من قاطنى تلك البيئة.

وخير دليلٍ يُصَدِّقُ على كلمات سيد قطب هو ما قاله شقيقه .. الأستاذ محمد قطب عندما تحدث عن العبيد الذين تحرروا فى الولايات المتحدة على يدى الرئيس الأمريكى ابراهام لينكولن حيث قال : " إن التحرير بإصدار مرسوم كما يتخيل البعض لم يكن ليحرر الرقيق ! والتجربة الأمريكية في تحرير الرقيق بجرة قلم على يد إبراهام لنكولن خير شاهد لما نقول ، فالعبيد الذين حررهم لنكولن - من الخارج - بالتشريع .. لم يطيقوا الحرية ، وعادوا إلى سادتهم يرجونهم أن يقبلوهم عبيداً لديهم كما كانوا ، لأنهم - من الداخل - لم يكونوا قد تحرروا بعد ".
قد أفهم أن يعانى بعض من تعرضوا لتعذيبٍ جسدىٍ أو نفسىٍ شديد من بعض أعراض متلازمة ستوكهولم , والتى تجعل الشخص المتعرض للتعذيب - فى بعض الأحيان - يتعاطف مع جلاده أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه , ولكن يصعب علىَّ فهم أن يستسلم البعض لظهور هذه الأعراض عليه وهو بكامل وعيه وبمحض إرادته , ولكن ..

مع الأسف تنشط هذه الظاهرة فى المجتمعات التى تحكمها أنظمةٌ قمعيةٌ تستمر لفتراتٍ طويلةٍ دون امتلاك سلطةٍ شرعيةٍ حقيقيةٍ نابعةٍ من أغلبية الشعب , فتصبح وسيلةً ضاغطةً على أفراد المجتمع , فتنمو علاقة الخوف من النظام بداخل الأفراد , فيصبح المجتمع - بشكلٍ عام - ضحية النظام.

وبمرور الوقت .. يدرك النظام هذه الحالة حتى يتقن لعبة ابتزاز المجتمع , فيعتاد الشعب على القمع والذل لدرجةٍ تجعله يخشى التغيير وإن كان للأفضل , فيتحول بعض أفراد المجتمع إلى مدافعين عن النظام القمعى , ويذكرون محاسنه القليلة جداً دون الالتفات إلى مظاهر القمع ومفاسده الكثيرة.

فياحسرتى على قومٍ لم يحيوا حياة الحرية .. فلم يشعروا بلذتها .. فلم يعرفوا قيمتها ولم ينزلوها قدرها ..

وياحزناه على قومٍ لم يقدروا قيمة الاعتماد على الذات ..  لأنهم اعتادوا العيش فى الملذات المُذلات.

نعم ..
والله إنى لآسفُ على قومٍ يهرولون نحو أسيادهم السابقين ..  يتبرأون لهم ممن حرروهم .. يطالبونهم حثيثاً بأن يعودوا ليخلصوهم من أولئك المحررين ..

يرجونهم أن يَقْبَلوهم عبيداً يُقَبِّلون أقدامهم ..

والمصيبة العجيبة .. أنهم ينتظرون بشغفٍ مجنون تلك الساعة التى ينتقم فيها أسيادُهم من محرريهم ..

والأشد عجباً .. أنهم جعلوا من أنفسهم أداةً فى أيدى أسيادهم للتنكيل والتشفى من أناسٍ ضحوا من أجلهم بكل شىء , ولم يضنوا فى سبيلهم بأى شىء ..

أناسٍ لم يحبوا أنفسهم .. قدر ما أحبوا لهم الحرية !!!
عسى اللهُ أن يُسمع كلماتى هذه لأحد أولئك العبيد .. فيحييه بها من جديد.

ولكن حتى تكتمل الصورة .. فلا بد من النظر من الجانب الآخر .. جانب سيكولوجية الاستعباد.





مع تحيات ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تعليقك على المخطوطة دليل إيجابيتك في التفاعل مع الأحداث ، فلا تجعل عناد قلمك يسلب منك تلك الإيجابية

Google+ Followers

ضع بريدك هنا وتابعنا