أبرز العناوين

أصدقاء المخطوطة

السبت، 21 ديسمبر 2013

العذاب المُشتهَى ... بقلم / محمد أبو الفتوح

محمد أبو الفتوح 

دون أى استئذان، اندفع الهواء البارد إلى الغرفة، مصدرا صفيرا مخيفا، و مبعثرا الأوراق عن سطح المكتب .. 

كانت تستعد للكتابة فى تلك اللحظة، لم يكن سن القلم قد نزل على الورقة بعد، لتجد أمامها الخشب العارى إلا من طبقة لامعة من ورنيش قديم، كان قد دهنه (استرجى) مخلص منذ وقت طويل، نظرت إلى الخشب قليلا، ثم تحول نظرها إلى الأوراق المبعثرة على الباركيه، الذى كان يعطى الغرفة دفءً لذيذا، خصوصا مع انعكاس ضوء المصباح الأصفر عليه، الآن هى تشعر بتناقض مقلق، بين البرودة المفاجئة، و الدفء الدائم، نهضت من مكانها، أخذت ورقة و كرمشتها، ثم حشرتها فى فتحة النافذة، حاولت أن تتذكر متى انكسر هذا الزجاج، لكنها لم تستطع، هى فى الحقيقة لم تلحظه عندما عادت من السوبر ماركت، و لم تدر شيئا عن الأطفال الشياطين الذين كانوا يتبارون بعد الدرس؛ من منهم يستطيع إصابة الزجاج بحجر، ذهبت إلى المطبخ الصغير و أعدت لنفسها كوبا من النسكافيه، عله يعيدها إلى (المود) من جديد، عندما عادت ... لم تجد الغرفة، بل وجدت حديقة دافئة غَنَّاء، بها أرجوحة، و زهور متداخلة الألوان، و جدول مياه صغير، يغرد خريره بلحن بديع، المدهش أنها لم تندهش، ذهبت مباشرة لتجلس على الأرجوحة، كأنها تفعلها كل يوم، شفتاها القرمزيتان ترتشفان رشفات بسيطة من النسكافيه، بينما ساقاها تدفعان الأرض بهدوء واثق لتتحرك إلى الأمام و إلى الخلف فى إيقاع، إيقاع دفعها إلى أن تترنم بلحن أغنية (من غير ليه) لعبد الوهاب .. " حبيبى .. آه يا حبيبى .. كل ما فيك يا حبيبى حبيبى .. شعرك ليلى .. جبينك قمرى "، لم تنتبه و هى مغمورة حتى أعلاها بالنشوة لذلك الببر الأسود الذى ظهر من خلف شجرة قصية، و أخذ يقترب منها واثق الخطى، لم ينقض عليها، بل وقف أمامها تماما، و صوب نظره إليها، كانت تغنى مغمضة العينين، حين فتحت عينيها لتراه أمامها مباشرة، نظرت إليه لبضع ثوان و كأنها تحلم، ثم ابتسمت، روحه روحها، هكذا شعرت، فهبطت عن أرجوحتها، إرتكنت إلى ركبتها اليمنى أمامه، و بدأت تربت على رأسه حينا، و تلعب بأناملها تحت ذقنه حينا، ما كان منه إلا أن التف حولها، كقط منزلى مترع بالأسماك المسلوقة الصغيرة، و أخذ يهر هرير الراضى المنعم، أراحت ظهرها إلى جسده، و أطلقت عينيها ترتشفان الطبيعة رشفا، بالتأكيد لن تجد هنا زجاج لينكسر، و لا رياح غبية تطير الأوراق، بالتأكيد أيضا لن تصبح هنا كاتبة، لأنها لن تتوقف عن التلقى للحظة، لن تضيع الوقت فى الكتابة و تترك كل هذا السحر أبدا، تأملت قليلا هذا الخاطر، ثم شعرت بالخوف يدخلها بالتدريج، كسرب من النمل يمشى فى أطرافها، و بحنين غريب للون الحبر الأسود، و رائحة الكتب الطازجة، لم يبرد بعد لهيب المطبعة فى أغلفتها، و تصورها يوميا قبل النوم أن هناك شخص ما يمسك الآن أحد كتبها ، و يدخل عبر بوابة الكلمات لعوالم لم تقصدها - هى - أبدا... أفاقها من شرودها صاروخ من الهواء البارد، نظرت أمامها، لترى النافذة المكسورة، و الهواء قد دفع بالورقة إلى الباركيه، أعادتها مرة أخرى، لملمت أوراقها، و جلست لتكتب، غير مدركة لبعض الشعيرات السوداء العالقة بظهر الرداء.







مع تحيات ..

هناك تعليقان (2):

  1. :) يعني افهم من كده انها تنتقل لعالم اخر فعليا


    جميلة جدا جدا جدا

    ردحذف
  2. أشكرك كثيرا .. ربما كان فعليا أو عن طريق الخيال .. لكِ أن تريها كما تحبين

    ردحذف

تعليقك على المخطوطة دليل إيجابيتك في التفاعل مع الأحداث ، فلا تجعل عناد قلمك يسلب منك تلك الإيجابية

Google+ Followers

ضع بريدك هنا وتابعنا