أبرز العناوين

أصدقاء المخطوطة

الأربعاء، 1 يناير 2014

سيكولوجية الاستعباد ... بقلم / محمد نبيل

محمد نبيل 

فى عام 1971م قام فيليب زمباردو بجامعة ستانفورد الأمريكية بتجربةٍ علميةٍ مثيرةٍ على مجموعةٍ من الطلاب فيما عُرف ب " اختبار سجن ستانفورد " ..
حيث وضع هؤلاء الطلبة فى مكانٍ يشبه السجن تماماً أُقيم فى الدور السفلى تحت قسم الفلسفة بالجامعة.
وقد تم تقسيم الأدوار بين الطلبة .. فقام بعضهم بلعب دور السجناء , بينما يلعب الآخرون دور الحراس ..

تم إعطاء الطلبة - السجناء - ملابس السجن الرسمية وأرقاماً بدلاً من أسمائهم الحقيقية , وأُعْطِىَ الحراسُ نظاراتٍ شمسيةٍ لها بريق المرايا الفضية .. لتجنب التواصل البصرى مع المساجين !!!

وكذلك تم إعطائهم أسماء فئوية مثل " السيد الضابط التأديبى " ..

وهنا نترك د.زمباردو يصف لنا ما حدث :

( فى كل يومٍ كان العداء والانتهاك والتحقير يبلغ مدىً أسوأ وأسوأ وأسوأ !
بمرور ستٍ وثلاثين ساعة .. أُصيب أول سجينٍ بانهيارٍ عصبىٍ وهو يبكى ويصرخ وغير قادرٍ على التفكير العقلانى .. فاضطررنا لاطلاق سراحه !
وفى كل يومٍ كنا نُضطرُ إلى إطلاق سراح سجينٍ آخر بسبب شدة معاناة من يؤدون أدوار السجناء !
إن فتيةً اخترناهم لأنهم طبيعيون وأصحاء , راحوا ينهارون واحداً بعد الآخر ..
وفتيةً عُرِفوا من قبل بالنزعة السلمية .. فوجئنا بما فى سلوكهم من تلذذٍ بالعنف , إذ كانوا يستمتعون بتوقيع أقسى العقوبات وأخسها على السجناء !
لقد كان مُخططاً أن تستمر التجربة أسبوعين , ولكن .. تم إنهائها بعد ستة أيامٍ فقط .. لأنها خرجت عن السيطرة تماماً - بمعنى الكلمة !!! ).

وحتى نتمكن من رؤية الصورة الكاملة للعلاقة الحميمية العجيبة التى - قد تنشأ - بين العبد والمُستعبد .. كان لا بد من إلقاء الضوء على الجانب الآخر من الصورة .. حب الاستعباد أو " سيكولوجية الاستعباد " , وذلك بعد أن تحدثنا فى مقالٍ سابقٍ عن " سيكولوجية العبيد " وعن بعض المظاهر العجيبة لدى كثيرٍ من العبيد أو الذين تربوا على حب العبودية ونشأوا فى بيئةٍ تقدس الخضوع وتسمو بقيمة الخنوع وتُعين على نفاق المستبد , وعرفنا كيف أنهم يدافعون بكل ما أوتوا من قوةٍ عن كل ما يُكَرِّسُ عبوديتهم بدلاً من مقاومة الاستعباد .. لا لشىءٍ سوى أنهم يتلذذون بالتذلل ولا يتصورون أنفسهم خارج اطار العبودية.

وفى رأيى .. أن هذا لا يحدث إلا لأحد أمرين ..
- إما بسبب خبث النفس وفساد الفطرة ..
- وإما لمرضٍ نفسىٍ يُفقدُ الانسان السيطرة على نفسه , وقد أشرت إليه سابقاً
( يمكن الرجوع إلى مقال سيكولوجية العبيد ) لشرح الأثر العجيب الذى يمكن أن يخلفه الحكم القمعى والاستبداد لفتراتٍ طويلة والذى يجعل المظلوم يدافع عن الظالم بحبٍ واخلاص.

استنتج زمباردو من هذه التجربة أن الأشخاص العاديين بمختلف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية معرضون للانصياع والطاعة العمياء عندما يتعرضون لنظامٍ أيديولوجى يحظى بدعمٍ اجتماعى أو تأييدٍ مؤسساتى , وقال بأن الوضع القائم أو الواقع هما السبب فى سلوك الأفراد أكثر من كونها موروثاتٍ فى شخصياتهم.

ولا يفوتنا هنا أن نتذكر انتهاكات السجانين الأمريكيين فى حق السجناء العراقيين فى " سجن أبو غريب".

على أن هناك احتمالاتٍ أخرى فى علم النفس تفسر عمليةَ تَحَوُّلِ إنسانٍ عادىٍ بسيطٍ إلى جلاد , ومنها :

- مدى قبول ثقافة التعذيب فى الوسط الذى يعيش فيه ومدى ممارسته ممن يعيشون أو يعملون معه , فالانسان غالباً ما يجنح إلى الاندماج والتأقلم مع البيئة التى يعيش فيها لكى يشعر بأنه جزءٌ من المجموعة.

- التنفيس عن مكبوتاتٍ فُرِضّتْ على الأجزاء الغريزية فى العقل الباطن بضغوطٍ شديدةٍ من مجتمعٍ مستبد أو سلطةٍ متسلطة أو الدين .. إما بسوء فهم أو بالخطأ فى تأويل بعض نصوصه مثل بعض المتطرفين فى عصرنا , وإما باحتكاره وفرض الوصاية باسمه كما فعلت الكنيسة الأوروبية فى العصور الوسطى.

لقد حدث هذا فى تجربةٍ بين طلبة إحدى أفضل وأشهر الجامعات العالمية .. كانوا يعرفون تماماً بأنها مجرد تجربة , وكانت تجمع عددٍ منهم علاقة زمالةٍ مُسبقة !!!
فما بالكم إن كان هذا فى عالم الواقع .. 

سجنٌ حقيقىٌ .. ضباطٌ حقيقيون .. جميعهم يتشاركون العيش على أرض دولةٍ بوليسيةٍ تُطلق أيدى هؤلاء الضباط تماماً فى القبض على والتنكيل بكل ما ومن تقع أيديهم عليه ..

كان ( ح ) أحد زملائى فى المدرسة يتسم بالأخلاق الحميدة والأدب الجم والنزعة المتدينة والالتزام بالصلاة على وقتها فى المسجد , ولا يزال كذلك فى ظاهره على أقل تقدير ..
التحق زميلنا هذا بجهاز أمن الدولة ( المُنحل ) بعد تخرجه من كلية الشرطة , وظلت علاقته متوطدة وقوية ب ( ع ) , وهو أحد أقرب وأعز أصدقائى ..
صديقى ( ع ) ذو طبعٍ خَيِّر .. على علمٍ جيدٍ بحقيقة الأمور , ويسعى قدر جهده فى الدفاع عن الحق ..
كان كثيراً ما يتدخل لدى زميلنا الضابط ( ح ) من أجل مصلحةٍ عامةٍ أو للتوسط من أجل مظلوم - وما أكثرهم - خاصةً وأن ( ح ) كان مسؤولاً عن النشاط الدينى فى موقعه - طبعاً قبل الثورة ..
وكان كثيراً ما يتطرق حديثهما إلى أحوال البلاد من فسادٍ ظاهرٍ , وعن الأوضاع الأمنية من اعتقالاتٍ أو تدخلٍ سافرٍ للأمن فى كل صغيرةٍ أو كبيرةٍ تحدث على أرض مصر ..
وذات مرة .. قال زميلنا الضابط ( ح ) - الذى نعرفه جيداً - ل ( ع ) :
" عارف يا ( ع ) .. أنا كنت مُغَيَّبْ زيك كده بالظبط .. لِحَدّْ ما اشتغلت هنا وعرفت إن الناس دول مش كويسين , وفعلاً دول خطر على أمن البلد والنظام " ..
نظر إليه ( ع ) قائلاً :
" عارف يا ( ح ) إنت بتفكرنى بمين ؟! .. بتفكرنى بأحمد زكى فى فيلم البرىء , وطالما قدروا يعملولك - انت بالذات - غسيل مخ بالشكل ده .. فبالتأكيد هُمَّا نجحوا !!! ".

تم ذلك - بالطبع - بعد قيام أركان النظام بعملٍ جادٍ وجهدٍ مضنٍ لغسيلٍ كاملٍ لعقول معظم الضباط - الجيش والشرطة - وأدمغتهم استمر - وما زال - لعشرات السنين ..
أفهموهم أنهم هم فقط حماة الوطن ..
وللقيام بواجبهم المقدس فلا بد أن يحموا النظام ..
فالوطن والنظام شىءٌ واحد !!!
زرعوا فيهم الشعور بأنهم الأسياد وكل ما عداهم .. فقد عاداهم !!!
أولئك هم عبيدكم من الطبقة الدنيا ..
يجب عليكم اشعارهم بذلك ..
عليكم بإذلالهم واستعبادهم وزرع الخوف الدائم فى نفوسهم منكم أنتم .. حماة النظام ..
اتخذوا منهم خداماً يأتمرون بأمركم ويعاونوكم فى أن يشوا بأعداء الوطن .. المعارضين للنظام ..
اجعلوهم يؤمنون بأن القرابة الحقيقية ليست قرابة الدم .. إنما هى فى القرب من النظام ..
واجعلوهم يكفرون بالولاء لأى شىء .. إلا بالولاء للنظام.

وفى ظل تغلب غريزة القطيع - غير السوية فى كثيرٍ من الأحيان - فإن أسلوب تقسيم العمل ينجح بشكلٍ كبيرٍ في عمليات التعذيب والإبادة المنظمة ، وهو ما يخفف الشعور بالمسؤولية عن كاهل الأفراد ويضمن المزيد من التعاون من قبلهم ويؤدي إلى تنفيذ المهام - الشريرة - على الوجه الأكمل.

للأسف الشديد .. فإن كل ما سبق ذكره يدعم استنتاجات د. ستانلى ملجرام التى استخرجها من تجربته الشهيرة فى عام 1963 فى جامعة ييل حول " الطاعة ودرجة الانصياع للسلطة " ..

وتتلخص التجربة فى الاستعانة ببعض المتطوعين الذين أفهموهم ( بالخطأ ) أن التجربة تهدف إلى قياس أثر العقاب فى عملية التَّعَلُّمِ , فى حين أنها تهدف إلى قياس مدى انصياع المتطوع لأوامر المُشرف , وكان دور المُعَلِّمِ ( المتطوع ) يتلخص فى عقاب المُتعلم
 هو ممثل يتبع جهة الاختبار بدون علم المتطوع ) بالصعق الكهربائى كلما أخطأ فى الاجابة , وذلك مع تدرج شدة التيار الصاعق من 30 إلى 450 فولت كلما تكررت الأخطاء ( هذا ما أوهموا المتطوعين بأنهم يقومون به بالفعل ).

كانت المفاجأة أن نسبة من أكملوا التجربة حتى نهايتها , أى صعقوا المُتعلم ب 450 فولت .. أى قتلوه ( كما كانوا يعتقدون وقت إجراء التجربة ) .. تعدت ال " 50% " , فقط كان يدفعهم لفعل ذلك هو طلب المُشْرِف لهم بأن يستمروا فى التجربة , حدث هذا رغم اجراء التجربة عدة مرات على مدار عشرات السنوات فى أماكن متفرقة من العالم.

لقد كشفت تلك التجربة المثيرة عن أن الطبيعة البشرية غير جديرة بالاعتماد عليها لتبعد الإنسان عن القسوة والمعاملة اللا إنسانية عندما تتلقى الأوامر من قبل سلطةٍ فاسدة .. فنسبةٌ كبيرةٌ من الناس مستعدون لتنفيذ ما يؤمرون به دون أخذ الأمر بعين الاعتبار وبدون حدود يفرضها الضمير .. مادامت الأوامر صادرة عن سلطة شرعية.

وفى اعترافاته المثيرة.. قال أحد المشاركين فى الاختبار :
" أثناء مشاركتى فى الاختبار .. كنت على يقينٍ من أننى أسبب الألم لشخصٍ ما , لكننى لم أكن أعرف لماذا أفعل ذلك ! ..
قلةً من الناس تتاح لهم الفرصة ليدركوا الفرق بين التصرف وفق معتقداتهم والتصرف رضوخاً لسلطةٍ ما ..
بت أشعر بخوفٍ من نفسى أن أسمح لها بالانجراف فى ارتكاب أخطاء فاحشة بحجة تنفيذ أوامر السلطة ..
إننى على استعدادٍ للذهاب إلى السجن ما لم أحظ بحق الاعتراض على القضايا التى تتعارض مع ما يمليه علىَّ ضميرى ".

وفى خلاصةٍ مثيرة للاهتمام قال ملجرام : " إذا كان مشرفٌ مجهولٌ فى هذا الاختبار قد تمكن من أن يوجه الأوامر لمجموعة من البالغين لقهر رجل في الخمسين من عمره وإخضاعه لصعقات كهربائية مؤلمة رغم احتجاجاته ومرضه .. فلا يسعنا إلا أن نتساءل عما تستطيع الحكومات بما لها من سلطات أوسع بكثير أن تأمر به !!! ".

إخوتى وأخواتى ..

لا أجد هنا مجالاً للحديث عن أى مبرر , حتى وإن كان التعرض لأقسى وأقصى أنواع الضغوط للإتيان بأفعالٍ مشينة , وإلا لكان أجدر بربنا - وهو الرحيم بنا والعليم بأحوالنا - أن يعذر جنود فرعون وهامان وأن يعفيهم من المسؤولية , بل قال سبحانه فى بيانٍ واضحٍ صريحٍ قاطع : " إن فرعون وهامان وجنودهما .. كانوا خاطئين ".

إن حب التسلط أو السلطة المُطْلَقة - سيكولوجية الاستعباد - إنما هو شهوةٌ لكل مهووسٍ أو مجنون , ورغبةٌ جامحةٌ يسعى إليها الكثيرون , رغم أنها لا يصح ولا ينبغى ولن نسمح بأن تكون.

وفى النهاية أود أن أؤكد على حقيقةٍ هامةٍ للغاية يغفل عنها كثيرٌ من الناس , ألا وهى :

مستحيلٌ على الإنسان المؤمن الذى يملك حقاً وازعاً دينياً ( أحمد بن حنبل ) أو انسانياً ( نيلسون مانديلا ) .. أن يُصاب بأىٍ من السيكولوجيتين ( العبودية - الاستعباد ) مهما كان حجم الظلم الذى وقع عليه أو الضغوط التى تعرض لها .. فلا يمكن أن يسعى إلى أن يكون مستعبداً فى ذات الوقت الذى لا يرضى فيه بأن يكون عبداً لغير الله.

ذلك أن إيمانه يعلمه أن ما يصيبه من ابتلاءاتٍ وفتنٍ إنما هى من أقدار الله التى يمتحنه بها فى دار الامتحان الدنيا , وأن الجائزة تستحق الصبر , فيمنعه إيمانه عن ظلم أىٍ من خلق الله , ويحول بينه وبين الانتقام لنفسه , بل ويأمره بالرفق بهم إلا بحق الله , ومن ثم يغلفه بقدرٍ عظيمٍ من الاتزان النفسى الذى يصونه ويحفظه مما يصيب غيره من البشر.







مع تحيات ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تعليقك على المخطوطة دليل إيجابيتك في التفاعل مع الأحداث ، فلا تجعل عناد قلمك يسلب منك تلك الإيجابية

Google+ Followers

ضع بريدك هنا وتابعنا