أبرز العناوين

أصدقاء المخطوطة

الثلاثاء، 7 يناير 2014

ظنوني و الصندوق ... بقلم / ريهام شرارة

ريهام شرارة 

جلست بين بقايا تلك الاوراق من الزمن الفائت ، و بدأت تتاهب لقراءة كلماتها بعناية فائقة...

فبرغم رثاثة مظهر تلك الاوراق إلا انها مازالت تحوي سرا بالنسبة لها.

التقطت أُولي تلك الورقات،حيث مكثت أخواتها في ذلك الصندوق الكرتوني المتهتك الأركان من طول مدة ركنه في هذا الركن من مكتبه..

حينما امسكتها استشعرت فيها رائحة كانت تعلمها جيدا ، نعم إنها رائحته...
و حينها أغمضت عينيها و استرسلت في احاسيسها مخاطبة نفسها:
"أيمكن ان يكون فعلا رحل و بقيت رائحته بين وريقاته؟!
ألِمِثْلِ هذا رائحة و روح تتعلق بها الاشياء؟"
غلب على مشاعرها إحساس انه كان جافا و غير ذو عاطفة...ليس فقط نحوها و لكن نحو كل الاشياء التي كانت في منزلهما..

ثم سألت نفسها سؤالاً غريباً:
" لماذا ظللت معه طوال تلك السنوات رغم علمي انه لا يحبني ، إنه كان فقط يريد امتلاكي؟"
استفاقت من ظنونها على تلك النسمات الرقيقة التي داعبت تلك الوريقة التي كانت تحملها...ثم سحبت الصندوق بالكامل متجهة نحو كرسيها الهزاز الذي كانت تعشق القراءة و هي جالسة عليه....

ثم ما لبثت ان جلست حتى بدأ شغفها بمضمون الأوراق يدفع عقلها سريعا نحو مطالعة ما لم يكن يريد أن تراه و كان يخفيه هذا الغامض.
" الآن سوف ادخل إلى نفس ذلك الغامض الراحل ، لاتعرف ما كان يجول بخاطره، و ما السر الذي تحويه هذه السطور جعله دائم على سريتها حتى عني أنا ، و أنا كنت أفترض اني اقرب الناس اليه؟"
و ما إن وقعت عينيها على أولى سطور الورقة حتي اعتلتها الدهشة مما كُتِبَ فيها... !!

لقد كان حريصا على تدوين مذكراته منذ ان التقى بها.. و حينما امسكت اولى وريقاتها ارتعشت يداها حين وجدتها اهداء منه لها كتب فيه:
" إليك انت يا أغلى مني عندي...علمت كثيرا أني قسوت عليك و لكني الآن أهديك أجمل ما كان من سنون عمري حتى تسطري به سطورا جديدة لي بقلبك الحنون" !!!!!!
صمتت لحظات ثم ظهرت على وجهها نظرات الاستغراب..."

ألهذا قلب ينبض و يشعر مثلنا؟!"..
ثم التقطت ثاني الورقات لتجدها تأريخا لأول مرة وقعت عينه فيها عليها...ثم بدا يسطر.......
" لم أكن أنتوي الذهاب لزفاف صديقي نظرا  لمرض والدي..و لكن شئ ما دفع والدتي للزج بي إلى غرفتي لارتداء ملابسي و الذهاب... و ما ان دخلت القاعة وسط صخب و ضجيج الحفل حتى ضقت بها و تمنيت لو أني لم آت...

ثم اكملت خطاي و تبادلت السلام مع بعض الأصدقاء و ذهبت لأصافح العريس و اهنئ العروس...و ما ان وصلت لمنصتهما الا وجدتها تخطو بنفس خطواتي للعريس نحو العروس..حينما تصافحنا و تبادلنا التهانئ طلب المصور لنا أن تقف هي بجوار العروس و أنا بجوار العريس لالتقاط صورة ...في البداية ظهرت ملامح الخجل على وجهها ، و اخيرا استسلمت لرغبة المصور و قد كانت أيضا رغبتي الشخصية و التي اعتبرتها أمنية حياتي.
و هنا تغير احساسي بالعرس و بكل شئ من حولي و حمدت الله أني أتيت...و ما ان نزلت من المنصة الا و قد دفعني قلبي لمراقبة خطواتها الرقيقة و حسها الفنان في اختيار الوان و تصميم ذلك الرداء الذي كانت ترتديه بحيث بدت بالنسبة لي أبهر من العروس ذاتها..و قد أظلمت كل فتيات الحفل عداها..."

حينها فقط اغمضت عينيها لتتذكر ذلك اليوم الذي كانت تشعر فيه بشئ غريب نحو ذلك الشاب المجهول و لماذا هو دون كل من كان بالحفل؟
فاستغربت جدا من ذلك الاحساس..ثم نهضت و اعدت فنجانا من القهوة و سارعت مرة أخرى نحو ذلك الصندوق العجيب الذي يحوي سر حياتها...و استرسلت في القراءة مرورا بزواجهما إلى قبل النهاية ببضع صفحات أو سنوات و لم تكن تعلم أنه يكن لها كل هذا القدر الهائل من المشاعر ، إذن لماذا قسى عليها و على نفسه؟!!!.
استوقفها سطر غريب جدا سطره ذلك الزوج الغامض قائلا:
"اعلم جيدا أنني في منتهى القسوة مع أكثر من عشقت من بني البشر ، و لكن إن بادلتها مشاعرها ساكون بقدري أحطم ما تبقى لها لتعيشه...لكني أقسمت منذ ذلك اليوم الذي جمعتني فيه صورة زفاف صديقي بك أن تظل الحياة تجمعنا و لكن القدر لم يشأ و لم أقوَ على فراقك ، لذلك آثرت أن أقسو عليك و على نفسي ، على أن تتألمي لألم مرضي العضال"..!!

اعتلى وجهها شعور الدهشة و عجزت عن الكلام من صدق و عذوبة تلك المشاعر الفياضة التي انبعثت من ثنايا الأوراق علي مدار أسبوع كامل من القراءة لتلك المذكرات...
كان ذلك متنافيا تماما مع ذلك الشخص الذي كانت تعيش معه إلى أن وصلت إلى آخر تلك الورقات.
حيث أخبرها زوجها المتوفي المسكين ذلك الشاب الذي لم يتجاوز العقد الثالث عمره...أن سبب ما دفعه لإخفاء مشاعره عنها طيلة تلك السنوات هو أنه كان مريضا بمرض يصعب معه الشفاء و أنه حتما سيرحل و لا يريد أن يرحل و هي متعلقة به إلى هذا الحد ، فآثر تلك الطريقة في إخبارها لأنه لا يستطيع أن يرى دمعة واحدة تذرف من عينيها اللتان طالما عشقهما و عشق نظرة الحنان بداخلهما.
و آثر أيضا أن يخبرها عن كل مكنونات نفسه على تلك الأوراق حتى تصمد معها للأبد..

هنا ضعفت قواها و خارت و سقطت من يدها الورقة و أجهشت بالبكاء..حيث إن اللغز الذي كان يشغل بالها قد بات واضحا حيث كانت تحيرها نظرة الحنان في عينيه و فظاظة أفعاله معها.
و حينما انتهت من آخر السطور وجدت تلك الصورة التي جمعتها به و بصديقتها العروس و زوجها في آخر الصندوق موضوعة بعناية في إطار ذهبي بالغ الجمال و الدقة.
و أمسكت ورقة و قلم و أصرت أن تبعث له رسالة..حتى يقرأها من سيأتي بعدها و يطلع على تلك الأوراق..ثم كتبت:
" إلى من كنت أظنه أقرب إلى روحي..

الآن أدركت أنه روحي بالفعل و أدعو الله يا رفيق عمري أن يعوضك من خير الآخرة ما جُدت به عليّ في الدنيا و أن يجمعني بك في الآخرة حتى تعوضني و أعوضك و أعدك يا زوجي العزيز...ألا اتزوج بغيرك حتى نجتمع في الآخرة في جنات الخلد بإذن الله....و اُشهِدُ الله أني قد سامحتك و أرجو من الله أن يسامحني و يجعلك أيضا تسامحني....و كم كنت أتمني أن تسمع ذلك مني بنفسك يا ليتني أعلمتك كم احبك"!!!!








مع تحيات ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تعليقك على المخطوطة دليل إيجابيتك في التفاعل مع الأحداث ، فلا تجعل عناد قلمك يسلب منك تلك الإيجابية

Google+ Followers

ضع بريدك هنا وتابعنا