أبرز العناوين

أصدقاء المخطوطة

الجمعة، 25 أبريل، 2014

رسالة في ليلة التنفيذ ... بقلم / هاشم الرفاعي

هاشم الرفاعي

أبتاه مــــــــاذا قـد يخطُّ بناني
والحبلُ والجلادُ ينتظراني

هــــذا الكتابُ إليكَ مِنْ زَنْزانَةٍ
مَقْرورَةٍ صَخْرِيَّةِ الجُدْرانِ

لَمْ تَبْقَ إلاَّ ليلـــــــــةٌ أحْيا بِها
وأُحِسُّ أنَّ ظلامَها أكفاني

سَتَمُرُّ يا أبتاهُ لستُ أشكُّ في
 هذا وتَحمِلُ بعدَها جُثماني

الليلُ مِنْ حَـــــولي هُدوءٌ قاتِلٌ
والذكرياتُ تَمورُ في وِجْداني

وَيَهُدُّني أَلمـــي فأنْشُدُ راحَتي
في بِضْعِ آياتٍ مِنَ القُرآنِ

والنَّفْسُ بينَ جـوانِحي شفَّافةٌ
 دَبَّ الخُشوعُ بها فَهَزَّ كَياني

قَدْ عِشْتُ أُومِنُ بالإلهِ ولم أَذُقْ 
 إلاَّ أخيراً لذَّةَ الإيمانِ

شكــــراً لهم أنا لا أريد طعامهم
فليرفعوه فلست بالجوعان

هذا الطعام المـرُّ ما صنعته لي
 أمي ، و لا وضعوه فوق خوان

كلا و لــم يشهده يا أبتي معي
 أخوان جاءاه يستبقان

مدوا إلي بـــــــــه يدا مصبوغة
بدمي و هذه غاية الإحسان

والصَّمتُ يقـطعُهُ رَنينُ سَلاسِلٍ
عَبَثَتْ بِهِنَّ أَصابعُ السَّجَّانِ

مــا بَيْنَ آوِنةٍ تَمُـــــــــــرُّ وأختها
يرنو إليَّ بمقلتيْ شيطانِ

مِـــــــنْ كُـوَّةٍ بِالبابِ يَرْقُبُ صَيْدَهُ
 وَيَعُودُ في أَمْنٍ إلى الدَّوَرَانِ

أَنا لا أُحِـــــــسُّ بِأيِّ حِـقْدٍ نَحْوَهُ
ماذا جَنَى فَتَمَسُّه أَضْغاني

هُـوَ طيِّبُ الأخــلاقِ مثلُكَ يا أبي
لم يَبْدُ في ظَمَأٍ إلى العُدوانِ

لــكنَّهُ إِنْ نامَ عَــــــــــنِّي لَحظةً
ذاقَ العَيالُ مَرارةَ الحِرْمانِ

فلَرُبَّما وهُــوَ المُــــــــرَوِّعُ سحنةً
لو كانَ مِثْلي شاعراً لَرَثاني

أوْ عادَ - مَـنْ يــدري - إلى أولادِهِ
يَوماً تَذكَّرَ صُورتي فَبكاني

وَعلــى الجِــدارِ الصُّلبِ نافذةٌ بها
معنى الحياةِ غليظةُ القُضْبانِ

قَــــــــــدْ طالَما شــارَفْتُها مُتَأَمِّلاً
في الثَّائرينَ على الأسى اليَقْظانِ

فَأَرَى وُجـــوماً كالضَّبابِ مُـــــصَوِّراً
ما في قُلوبِ النَّاسِ مِنْ غَلَيانِ

نَفْسُ الشُّعورِلَدى الجميعِ وَإِنْ هُمُو
كَتموا وكانَ المَوْتُ في إِعْلاني

وَيدورُ هَمْسٌ في الجَوانِحِ ما الَّذي
بِالثَّوْرَةِ الحَمْقاءِ قَدْ أَغْراني؟

أَوَ لَمْ يَكُـــنْ خَيْراً لِنفسي أَنْ أُرَى
مثلَ الجُموعِ أَسيرُ في إِذْعانِ؟

ما ضَرَّني لَوْ قَـــــــدْ سَكَتُّ وَكُلَّما
غَلَبَ الأسى بالَغْتُ في الكِتْمانِ؟

هذا دَمِي سَيَسِيلُ يَجْـرِي مُطْفِئاً
ما ثارَ في جَنْبَيَّ مِنْ النِيرانِ

وَفؤاديَ المَـــــــــوَّارُ فـــي نَبَضاتِهِ
سَيَكُفُّ في غَدِهِ عَنِ الْخَفَقانِ

وَالظُّلْمُ باقٍ لَــــنْ يُحَــــــطِّمَ قَيْدَهُ
مَوْتي وَلَنْ يُودِي بِهِ قُرْباني

وَيَسيرُ رَكْبُ الْبَغْــــيِ لَيْسَ يَضِيرُهُ
شاةٌ إِذا اْجْتُثَّتْ مِنَ القِطْعانِ

هذاحَديثُ النَّفْسِ حينَ تَشُفُّ عَنْ
بَشَرِيَّتي ، وَتَمُورُ بَعْدَ ثَوانِ

وتقُولُ لـــي إنَّ الحَـــــــــياةَ لِغايَةٍ
أَسْمَى مِنَ التَّصْفيقِ ِللطُّغْيانِ

أَنْفاسُكَ الحَرَّى وَإِنْ هِيَ أُخـمِدَتْ
سَتَظَلُّ تَعْمُرُ أُفْقَهُمْ بِدُخانِ

وقُروحُ جِسْمِكَ وَهُوَ تَحْتَ سِياطِهِمْ 
قَسَماتُ صُبْحٍ يَتَّقِيهِ الْجاني

دَمْعُ السَّجينِ هُناكَ فـــــي أَغْلالِهِ
وَدَمُ الشَّهيدِ هُنَا سَيَلْتَقِيانِ

حَتَّى إِذا مــــا أُفْعِــــمَتْ بِهِما الرُّبا
لم يَبْقَ غَيْرُ تَمَرُّدِ الفَيَضانِ

ومَنِ الْعَواصِفِ مَا يَكُــــــونُ هُبُوبُهَا
بَعْدَ الْهُدوءِ وَرَاحَةِ الرُّبَّانِ

إِنَّ اْحْتِدامَ النَّارِ في جَــــوْفِ الثَّرَى
أَمْرٌ يُثيرُ حَفِيظَةَ الْبُرْكانِ

وتتابُعُ القَطَــــراتِ يَنْزِلُ بَعْـــــــــدَهُ
سَيْلٌ يَليهِ تَدَفُّقُ الطُّوفانِ

فَيَمُـــــوجُ يقتلِعُ الـــــطُّغاةَ مُزَمْجِراً
أقْوى مِنَ الْجَبَرُوتِ وَالسُّلْطانِ

أَنا لَستُ أَدْري هَلْ سَتُذْكَرُ قِصَّتي
أَمْ سَوْفَ يَعْرُوها دُجَى النِّسْيانِ؟

أمْ أنَّني سَأَكـــونُ في تارِيخِـــــــنا
مُتآمِراً أَمْ هَادِمَ الأَوْثانِ؟

كُــــــلُّ الَّذي أَدْرِيهِ أَنَّ تَجَــــــرُّعـي
كَأْسَ الْمَذَلَّةِ لَيْسَ في إِمْكاني

لَوْ لَــــمْ أَكُنْ في ثَــــــوْرَتي مُتَطَلِّباً
غَيْرَ الضِّياءِ لأُمَّتي لَكَفاني

أَهْوَى الْحَياةَ كَــــــريمَةً لا قَــــيْدَ لا
إِرْهابَ لا اْسْتِخْفافَ بِالإنْسانِ

فَإذا سَقَطْتُ سَقَطْتُ أَحْمِلُ عِزَّتي
يَغْلي دَمُ الأَحْرارِ في شِرياني

أَبَتاهُ إِنْ طَلَعَ الصَّباحُ عَلَى الــــدُّنى
وَأَضاءَ نُورُ الشَّمْسِ كُلَّ مَكانِ

وَاسْتَقْبَلُ الْعُصْفُورُ بَيْنَ غُــــــصُونِهِ
يَوْماً جَديداً مُشْرِقَ الأَلْوانِ

وَسَــــمِعْتَ أَنْغـــــامَ التَّفـــاؤلِ ثَرَّةً
تَجْري عَلَى فَمِ بائِعِ الأَلبانِ

وَأتى يَــــــــدُقُّ- كمــــا تَعَوَّدَ- بابَنا
سَيَدُقُّ بابَ السِّجْنِ جَلاَّدانِ

وَأَكُــــــونُ بَعْـــــدَ هُنَيْهَةٍ مُتَأَرْجِحَاً
في الْحَبْلِ مَشْدُوداً إِلى العِيدانِ

لِيَكُنْ عَزاؤكَ أَنَّ هَــذا الْحَــــبْلَ ما
صَنَعَتْهُ في هِذي الرُّبوعِ يَدانِ

نَسَجُوهُ فـــي بَلَــــدٍ يَشُعُّ حَضَارَةً
وَتُضاءُ مِنْهُ مَشاعِلُ الْعِرفانِ

أَوْ هَكذا زَعَمُوا! وَجِيءَ بِهِ إلــــــى
بَلَدي الْجَريحِ عَلَى يَدِ الأَعْوانِ

أَنا لا أُرِيـــدُكَ أَنْ تَعــــيشَ مُحَطَّماً
في زَحْمَةِ الآلامِ وَالأَشْجانِ

إِنَّ ابْنَكَ المَصْفُودَ فــــــي أَغْــلالِهِ
قَدْ سِيقَ نَحْوَ الْمَوْتِ غَيْرَ مُدانِ

فَاذْكُــــــرْ حِكاياتٍ بِأيَّــــامِ الــــصِّبا
قَدْ قُلْتَها لي عَنْ هَوى الأوْطانِ

وَإذاسَمْعْتَ نَحِيبَ أُمِّيَ في الدُّجى
تَبْكي شَباباً ضاعَ في الرَّيْعانِ

وتُكَـــــتِّمُ الحَسراتِ فــــي أَعْماقِها
أَلَمَاً تُوارِيهِ عَنِ الجِيرانِ

فَاطْلُبْ إِليها الصَّفْـــحَ عَـــنِّي إِنَّنى
لا أَبْتَغي مِنَها سِوى الغُفْرانِ

مازَالَ في سَمْعي رَنينُ حَـــــديثِها
وَمقالِها في رَحْمَةٍ وَحنانِ

أَبُنَيَّ: إنِّي قــد غَـــــدَوْتُ عــــليلةً
لم يبقَ لي جَلَدٌ عَلى الأَحْزانِ

فَأَذِقْ فُؤادِيَ فَرْحَةً بِالْبَحْثِ عَــــــنْ
بِنْتِ الحَلالِ وَدَعْكَ مِنْ عِصْياني

كـــــانَتْ لـــــها أُمْـــــــنِيَةً رَيَّانَـــــةً
يا حُسْنَ آمالٍ لَها وَأَماني

وَالآنَ لا أَدْري بِـــــأَيِّ جَــــــوانِــــحٍ
سَتَبيتُ بَعْدي أَمْ بِأَيِّ جِنانِ

هــــذا الذي سَطَـرْتُهُ لكَ يا أبــــي
بَعْضُ الذي يَجْري بِفِكْرٍ عانِ

لــــكنْ إذا انْتَصَــــرَ الضِّياءُ وَمُــزِّقَتْ
بَيَدِ الْجُموعِ شَريعةُ القُرْصانِ

فَلَسَوْفَ يَــــذْكُرُني وَيُكْـــبِرُ هِمَّتي
مَنْ كانَ في بَلَدي حَليفَ هَوانِ

وَإلـــى لِقاءٍ تَحْتَ ظِـــــلِّ عَــــدالَةٍ
قُدْسِيَّةِ الأَحْكامِ والمِيزانِ

ـــــــــــــــــ










مع تحيات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تعليقك على المخطوطة دليل إيجابيتك في التفاعل مع الأحداث ، فلا تجعل عناد قلمك يسلب منك تلك الإيجابية

Google+ Followers

ضع بريدك هنا وتابعنا