أبرز العناوين

أصدقاء المخطوطة

الجمعة، 19 ديسمبر 2014

العربية وصراع الهوية ... بقلم / محمد نبيل

محمد نبيل 


اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ..صِرَاعُ الْهَوِيَّة
" أصْحَابُ الْعَرَبِيَّةِ جِنُّ الإنْس .. يُبْصِرُونَ مَا لا يُبْصِرُ غيُرُهُم "... مقولة جميلة منسوبة للإمام الشافعي.

هل تعلمون إخوتي بأن اللغة الإنجليزية تشكّل حوالي نسبة 60 % من إجمالي اللغات العالمية التي كُتبت بها العلوم المختلفة في عصرنا الحالي، وتأتي بعدها اللغة الفرنسية بنسبة 20 % تقريباً , بينما تتقاسم بقية لغات العالم مجتمعة ( بما فيها العربية طبعاً ) نسبة ال 20 % المتبقية ( هذا ما قرأته فى إحدى الدراسات ).

بالله عليك .. ما هو شعورك وأنت تقرأ هذه الإحصاءات ؟

هل تشعر بلا مبالاة ؟
هل تشعر بالغيرة على لغتك ؟

هل أنت ممن يتحسرون ويرضون بالأمر الواقع ويستصعبون تغييره ؟
أم أنك ممن يتوقدون فكراً و حماساً .. من أجل تغيير واقعهم إلى الأفضل دائماً ؟

ألم يحدث أن سُدْنا العالم أكثر من ألف عامٍ بلغتنا العربية ؟
ألم يتلقى العالمُ عنا علومَ الطبِّ والرياضياتِ والكيمياءِ والفَلَكِ والفلسفةِ والمنطقِ .. وكانت لغتنا أيضاً هي العربية ؟

أَوَلَيْسَتْ " كل " دول العالم المتقدم " الآن " تتدارسُ العِلْمَ وتتعلمه وتعلمه لأبنائها بلغاتها القومية ؟

إن اليابانيين والكوريين والألمان والفرنسيين والسويديين وكل الدول المتقدمة فى الاتحاد الأوروبى - وحتى العملاق الصينى الصاعد بسرعة الصاروخ - جميعهم يدرسون العلوم بلغاتهم القومية وليس بالإنجليزية، ورغم ذلك ظلوا متقدمين.

ورغم أن الإنجليزية هي لغتهم الرسمية التي يتعلمون ويتعاملون بها... إلا أن ذلك لم يشفع لمعظم دول القارة السمراء، ولم يشق لهم طريقاً للحاق بركب المتقدمين.

إذن ماهى علاقة لغتنا العربية بما نعانيه ؟
وما علاقة عربيتنا بسوء أحوالنا وتخلفنا عن الحضارة المعاصرة ؟

تساؤلاتٌ حائرةٌ بين فريقين متجادِلَيْن ..


أحدهما ينادي بتوسيع استخدام اللغات الأجنبية , ولا سيما الإنجليزية , على حساب لغتنا العربية إلى حدٍ وصل بالبعض إلى الاستغناء تماماً بإنجليزيته عن عربيتنا الحبيبة , حجتهم فى ذلك أن اللغة العربية - من وجهة نظرهم - هى أحد أسباب تخلفنا حيث أنها لغةً قديمةً لا تستطيع أن تواكب العصر الحديث بتقنياته وتطوره المتسارع، بالإضافة إلى سوق العمل الذي يشترط الإجادة التامة للغةٍ أجنبيةٍ , وبخاصةٍ الإنجليزية .. دون أن يشترط - للأسف الشديد - أية درجة لإجادة اللغة العربية.

والآخر ينادي بأن يتم تعريب كافة العلوم ( وهو أمرٌ أرى أنه واجبٌ شرعى ) .. بل وربما وصل التعصبٍ أحياناً إلى دعوة البعض إلى إلغاء تدريس اللغات الأجنبية بشكلٍ إلزامي في جميع مناهجنا إلا لمن أراد أن يدرسها برغبته وحده، حجتهم في ذلك أن هذا هو - من وجهة نظرهم - أفضل الطرق وأقصرها وأكثرها فاعلية للحفاظ على نقاء الهوية التي تُعَدُّ أعزُّ ما تَبَقَّى لنا.

إذن فالأمر يحتاج إلى تحليلٍ منطقيٍ شاملٍ نتتبع خطواته حتى نصل إلى الرأي الأصوب إن شاء الله لاختيار الطريق الصحيح الذي نتخذه فيما يتعلق بشىءِ يمثل جزءاً لا يتجزأ من كياننا بل يمثل هويتنا - شاء البعض ذلك أم أبى - لغتنا العربية العزيزة.

عندما وصل ابني الأكبر يوسف إلى سن المدرسة .. ثار جدلٌ كبيرٌ فى محيط الأسرة والأقارب حول اللغة التى ينبغى أن يتلقى بها تعليمه فى المدرسة .. ففي المدرسة قسمين .. أحدهما للتعليم باللغة العربية فقط والآخر للتعليم بالإنجليزية بشكلٍ أساسى بجانب العربية كلغة ثانية ..

كان رأيي - فى ذلك الوقت - مبنياً على آراء العديد من علماء التربية وعلماء النفس الذين يؤكدن على أن الطفل في سنوات عمره الأولى ينبغى أن يتلقى تعليمه باللغة الأم ( العربية ) .. لأن ذلك يؤثر بشكلٍ أساسىٍ في تكوين شخصيته وثقافته وهويته ويُعْلي من قدر انتمائه لوطنه ومجتمعه , وأن ذلك ضروري للغاية في مرحلة التعليم الأساسى، خاصةً وأن عقل الطفل - بحسب رأي بعض العلماء - فى هذه السن المبكرة ( أقل من عشر سنوات ) من الأفضل له أن يستوعب لغته الأصلية أولاً حتى لا يتشتت ذهنه وينتهي به الحالُ إلى عدم إتقان أيٍ من اللغتين.

وفى المقابل .. وجدتُّ رأياً آخر يستند إلى دراسات علماء آخرين تقول بأن الطفل يمكنه أن يتعلم ويتقن عدة لغات فى ذات الوقت، وأن ذلك لا يؤثر على لغته الأم ، بالإضافة إلى أن الهوية هى ما تغرسه في أولادك فى البيت قبل وبعد وأثناء الذهاب إلى المدرسة .. فعملية زرع الهوية بداخل أولادنا هي عمليةٌ بناءٍ نرعاه ليستمر لعدة سنواتٍ يتشارك فيها كلٌ من الأسرة والمدرسة مع المجتمع .. طبعاً بجانب أكبر المؤثرات الاجتماعية على الإطلاق .. الإعلام.

وبين هذين الرأيين الوجيهين للعلماء ( ولكلٍ دراساته واجتهاداته ) .. أخذت أفكر فى الأمر وأتفحصه من كافة جوانبه , فوجدت أن نجاحى فى هذا الأمر - كأبٍ مسؤول عن رعيتى - لا يأتى إلا من قدرتى على إدارة هذه المنظومة باتزانٍ وتوازنٍ في إطار إدراكي بأنى مُجبرٌ على هذا التوازن ..
إنه التوازن بين مراعاة الأمر الواقع ومتطلبات العصر من جانب وبين الحفاظ على الهوية من الجانب الآخر، فليس لي أيُّ خيارٍ في تجنب الواقع مهما حاولت .. فالتكيف مع هذا الواقع وحسن التعامل معه ليس رفاهية، وإنما الحكمة تتطلبه.

واقعٌ مريرٌ يجعلني - وكل راعٍ واع - أفكر ألف مرةٍ قبل اتخاذ القرار , فبعيداً عن التعميم .. كم يحزنني هذا الكم الهائل من شباب المشرق العربي في مصر والشام وبعض دول الخليج العربي يتبارون في التحدث بالإنجليزية ويتفاخرون بكثرة استخدام ألفاظها بمناسبة وبدون مناسبة، يقابله شبابٌ من المغرب العربي مولعٌ بالفرنسية إلى حدٍ يكاد أن يقضي على عربيتهم وعروبتهم .. واقعٌ أراه الآن وأعاني نفسياً من انتشاره بين أبناء الأمة، وأخشى أن يكون ذات يومٍ واقعي الذى أعانيه مع أولادي.

بالتأكيد .. فإن السعي إلى إجادة اللغات الأجنبية ليس عيباً ولا حراماً، بل هو - فى رأيي - من مقاصد العلم المحمودة والمطلوبة من ثلاثة أوجه ..

الأول أنه بابٌ لأداء فريضة تحصيل العلم التى أمرنا بها الرسول الهادي (صلى الله عليه وسلم) في حديثه الشريف " طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم ".
الثاني أنه فرضُ كفاية، وأنه مما يُأمَنُ به المكرُ ويُدْفَعُ به الشر كما ورد فى المقولة الشهيرة " من تَعَلَّمَ لغة قومٍ أَمِنَ مكرهم " أو " شَرَّهم ".
وأما الثالث فهو تحقيق التعارف والتقارب بين الشعوب والتعرف على ثقافاتهم، وهو المقصدُ الإلهىُ الذي أعلمنا به سبحانه ودعانا إليه ضمناً في قوله تعالى " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا " آية 13- سورة الحجرات.

ولكنَّ العيبَ كل العيب يكمنُ في أن نُحيلَ الأمر من كونه وسيلةً لتحقيق هذه المقاصد الثلاث إلى غاية فى حد ذاته.

ومن هذا المنطلق .. فقد اجتهدتُ - قدر المستطاع - واتخذت القرار الذى يجمع الحسنيين - من وجهة نظري - ويرضي ضميري ويمكن أن يحقق ويحفظ لأولادي التوازن المطلوب ..

أولاً: أن أحفظ له الحد الأدنى من متطلبات الواقع واحتياجات المستقبل القريب - حتى اشعارٍ آخر - بأن يتلقى تعليمه باللغة الإنجليزية بشكلٍ أساسي، وأن تكون اللغة العربية هي لغته الثانية (في المدرسة فقط).

ثانياً: أن أسعى - بشتى الطرق الممكنة - للمحافظة على لغته الأم التي تحفظ له كيانه الإسلامي العربي .. ووجدتُ أن أفضل وأسهل هذه الوسائل ثلاث ..

أ- أحضرتُ له شيخاً يُحَفِظُهُ القرآن الكريم أسبوعياً طوال العام .. فهذا مما يحفظ له دينه وهويته ولسانه.
ب- مشاهدة أفلام الكرتون بالعربية الفصحى ( المنتقاة قدر المستطاع )، وهو مما يعلمه لغته جيداً ويقويها بشكلٍ سلسٍ ومُحببٍ إلى الأطفال .. حتى أنى كثيراً ما أجد أولادي يدهشوني ويسعدوني بألفاظٍ من الفصحى بين الحين والآخر.
ج- قراءة القصص والحكايات، وهو ما أحرص عليه قدر ما أستطيع .. خصوصاً قبل النوم، حيث أن هذه القصص ( المنتقاة أيضاً ) تُعَدُّ من أكثر ما يستمتع به الأطفال، وبذلك فهي من أهم ما يبنى قِيَمَهُم ويُشَكِّلُ ثقافتهم ويُوَسِّعُ مداركهم.

ربما يرى البعض أن هذه الوسائل لا تكفى لمواجهة طوفان محاولات طمس الهوية، وقد يكونون على حق ..
ولكن كانت هذه هى حالتي، وحكاية صراعٍ من صراعاتنا من أجل الحفاظ على هويتنا، وإن كان هناك تقصيرٌ ما .. فقد اجتهدتُ للوصول إلى نقطة التوازن الممكن ..
إنه صراعٌ يخوضه كل مُخلصٍ منا من أجل الحفاظ على هويته وبناء هوية أولاده والتي تتجمع وتتشكل جنباً إلى جنب لِتُشَكِّل هوية الأمة.

ــــــــــــــــــــــــــ









مع تحيات 

هناك 7 تعليقات:

تعليقك على المخطوطة دليل إيجابيتك في التفاعل مع الأحداث ، فلا تجعل عناد قلمك يسلب منك تلك الإيجابية

Google+ Followers

ضع بريدك هنا وتابعنا