أبرز العناوين

أصدقاء المخطوطة

الأربعاء، 13 يناير 2016

" باكثير" شكسبير المسرح العربي ... بقلم / معتز محسن

معتز محسن عزت

إذا أردنا أن نتجه إلى نصوصٍ مسرحية قيمة عبر تاريخ المسرح العربي فنجد أن أكثر كاتبين في مجال المسرح نجحا بتقديم وجبة مسرحية تعانق النصوص العالمية من حيث الكم و الكيف راهب الفكر توفيق الحكيم و ابن إياس الأدب العربي علي أحمد باكثير لما قدماه من نصوص مسرحية عبرت عن الإنسان و إرثه في عصور مختلفة و كل كاتب كان له الطريق الذي أنطلق من خلاله عبر نصوص مختلفة.

كان لعلي أحمد باكثير باعًا متنوعًا في المسرح العربي حيث جعل مفتاح مسرحه التاريخ و التراث عبر الحضارة القديمة و العروبة و الهوية الإسلامية ليجعل من كتاب الله نبراسًا لمسرح يركز على الخلود عبر القيمة الأدبية متكئًا تعلى الأية الكريمة التي تقول:

(فأما الزبد فيذهب جفاءً و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) صدق الله العظيم.

هذه النظرية كانت مغزى الحياة لباكثير إنسانيًا و أدبيًا لينطبع ذلك و ينضح على مسرحه حيث أراد أن يجعل من المسرح منبرًا لا يبتعد عن منبر المسجد حيث الكلم القيم و النصيحة المدعمة بسليقة أدبية تقدم المزيد و المزيد مع تأسيسه لأدب المقاومة بجعله التاريخ مرآة تدعم النفوس بالأمال و ليس بالبكاء على ما فات عبر المسرحيات الهامة التي شكلت وجدان الأمتين العربية و الإسلامية من أجل الوقوف على أرض صلبة حيث التشبث بالجذور و النظر للأمام بالجمع بين الماضي و الحاضر من أجل مستقبل أفضل.

كتب باكثير أول نصوصه المسرحية سنة 1934 و هي (همام في بلاد الأحقاف) و هي مسرحية شعرية أهداها لروح زوجته الأولى التي توفيت في اليمن و جعل من هذا العمل عقدًا نفيسًا لروح زوجته و كأنه يقدم لها معلقة من العصر الجاهلي لتعلقه على صدرها و هي في العالم الآخر و تمت طباعتها في سيئون بحضرموت ثم طبعت بمصر عبر المطبعة السلفية من خلال محي الدين الخطيب و كانت لهذه المسرحية فتحًا على باكثير ليعيد طباعتها للمرة الثالثة من خلال هيئة النشر للجامعين التي ترأسها عبد الحميد جودة السحار و التي أعطت الفرصة للأدباء الشبان في هذا الوقت نجيب محفوظ و يوسف السباعي و علي أحمد باكثير و محمد عبد الحليم عبدالله و أمين يوسف غراب و غيرهم.

إن باكثير يذكرنا بشعراء العصر العباسي من حيث تصاهر الأنساب فنجد ابن الرومي عربي المولد و رومي الأب و فارسي الأم ليخرج لنا شاعرًا غزير السليقة الشعرية من ثقافات مختلفة و هذا ما وجدناه في باكثير الذي ولد بسورابايا بأندونيسيا من أبوين من حضرموت و نشأ باليمن و تعلم و نهل أدبيًا و فكريًا من مصر و أتقن العربية و المالاوية و الإنجليزية و الفرنسية ليكون مسرحه نافذة على المنطقة في نوجيه قلمه لأدب المقاومة ما بين مصر و العراق و سوريا و فلسطين و إندونيسيا عبر الماضي و الحاضر.

يعد باكثير أبو القضية الفلسطينية بعمله الأول الذي صدر العام 1944 بعنوان (شيلوك الجديد) على جزءين (المشكلة و الحل) و التي تنبأ فيها بسقوط فلسطين بين براثن الصهيونية العالمية و التي حدثت بالفعل في العام 1948 بإعلان ديفيد بن جوريون في خطاب الاستقلال كما يسمونه قيام دولة إسرائيل يوم 15 مايو.

أقترب باكثير من طريقة شكسبير في التركيز على المشكلة و تقديم الحل و تأثر به تأثرًا شديدًا ليقدم حبكة (تاجر البندقية) بشكل عصري بعنوان (شيلوك الجديد) و التي أطلقها على زعيم حركة بيتار الصهيونية (فلاديمير جابوتنسكي) الذي قال : أريد رطلاً من اللحم.

هذه العبارة قالها جابوتنسكي لتفعيل تنفيذ وعد بلفور المشئوم في إعطاء بريطانيا فلسطين للهجرات اليهودية المستمرة من كل أنحاء العالم و هنا جمع باكثير بين لباقة شكسبير و براعة الحبكة الباكثيرية في تفعيل القضية الفلسطينية.



جاءت تلك المسرحية مدخلاً هامًا لتلك القضية المصيرية التي لا زالت تعاني من التصعيد و التصعيب بل ظهرت أرطالاً من اللحم يتم المساومة عليها في كافة بقاع عالمنا العربي و الإسلامي فبدلاً من أن نقول فلسطين فقط أصبحنا نردد بجانب فلسطين أخواتها سوريا و اليمن و العراق و ليبيا و الجعبة في انتظار المزيد وسط تفكك الواقع العربي المرير.

إن مسرح باكثير حذرنا من تلك المصائر في (المسرح السياسي) الذي بعث للأمتين جرس الإنذار نحو الأطماع الإمبريالية المتخفية ورائها الصهيونية العالمية و التي تتلاعب بثروات العالم العربي الآن وسط أعاصير الربيع العبري الذي أجتاح المنطقة منذ العام 2011 و حتى الآن علاوة على الكمين المنصوب لمصر وسط حركة البناء و التعمير و رغم ذلك تكثر البنادق بفوهاتها تجاه نبض العروبة و الإسلام.

هنا جاءت عظمة باكثير في قراءة المستقبل لا عن تنجيم بل عن تدقيق و تنقيح و استنباط جدير بالاحترام من أجل غد يوم آخر ملييء بالأمل و التفاؤل و هذا ما وجدناه في (دار بن لقمان) التي تكلم فيها عن المقاومة المصرية بالمنصورة و دمياط ضد لويس التاسع الذي أراد الوصول للقدس عبر مصر لكن تتأكد الملحوظة الهامة و الحقيقة المطلقة بأن مصر مقبرةً للغزاة.

أجتمع باكثير مع شكسبير في الفخر بالتاريخ الخاص بالأمم و هنا جاء باكثير ليزيح التناسي عن بعض الصفحات المطموسة و التي تدعو للجهاد و الكفاح مع الفخر بتاريخ الأمم قديمًا و حديثًا و يأتي بمسرحية (مسمار جحا) سنة 1951 يدعو فيها للمقاومة ضد الإنجليز و التي تعرضت للرقابة كنص أدبي و فيلم سينمائي حيث التعسف و المنع لكن يبقى العمل الخالد مقاومًا لكل العراقيل.


ـــــــــــــــــ






مع تحيات

هناك 6 تعليقات:

تعليقك على المخطوطة دليل إيجابيتك في التفاعل مع الأحداث ، فلا تجعل عناد قلمك يسلب منك تلك الإيجابية

Google+ Followers

ضع بريدك هنا وتابعنا