أبرز العناوين

أصدقاء المخطوطة

الثلاثاء، 23 فبراير، 2016

قوة العادة .. بقلم / أحمد عبد العليم

أحمد عبد العليم 


في حادثة جرت إبان الاكتشافات الجغرافية الحديثة للأمريكتين، وتروى على سبيل التندر، طلب من أحد قادة السفن الحربية أن يقدم تقريرا حول أداب، وعادات، وتقاليد سكان إحدى جزر المحيط الأطلنطي، وعندما عاد قدم تقريره وكان على النحو التالي : إن سكان هذه الجزيرة ليس لهم أداب، أما عن عاداتهم وتقاليدهم فشنيعة ومتوحشة .


لا يصعب على المرء أن يكتشف أن قائد السفينة عندما قدم تقريره هذا إنما كان يتحدث عن أداب وعادات أهل الجزيرة مقارنة بما يراه صائبا، أو (ما ينبغي أن يكون) من وجهة نظره الخاصة، ووفقا لعاداته وأدابه التي أدخلها في مقارنة مع عادات وتقاليد وأداب سكان تلك الجزيرة، وربما لو كان على ظهر تلك السفينة عالم أنثربولوجي لرصد عاداتهم وتقاليهم في إطار المنظومة القيمية والثقافية الداخلية للمجتمع، دون أن يضعها موضع التساؤل حول ما يرضيه وما لا يرضيه، أو ما يعجبه وما لا يعجبه من عادات وتقاليد أهل هذه الجزيرة .
فعاداتنا وتقاليدنا تنشأ في إطار منظومة اجتماعية/اقتصادية، تتشكل وتتأصل في زمان يعبر عن لحظة تاريخية ما في صيرورة تاريخ المجتمع، ومكان له سماته البيئية والجغرافية والأركيولوجية، وكلاهما يضفي على المجتمع من خصائصه وسماته، فالجدل الذي يحدث بين الإنسان وعناصر الطبيعة المحيطة به والتي تؤثر في وتتأثر بالتفاعلات الإنسانية، تشكل عادات وتقاليد وأداب المجتمع، في إطار رؤية الإنسان وعلاقته مع العالم ومع الإله .
وفي حقيقة الأمر أنني أوردت هذه الرواية لمناقشة (قائد السفينة) وليس لمناقشة موضوع تقريره المنحاز، إذ تعبر سلوكيات (قائد السفينة) ومواقفه، ومنطق تفكيره عن كثير من أفراد مجتمعنا، فنحن مع الوقت نكتسب عادات تفكير تتكون ضمن عاداتنا اليومية المألوفة، فحياتنا اليومية توجهها إلى حد كبير أنماط سلوكية تأصلت داخلنا على مر الأيام والسنين بوصفها عاداتنا الأصيلة، فعلى سبيل المثال نستيقظ من النوم ونقوم كل صباح بفعل ما اعتدنا على فعله، ثم نذهب إلى العمل بنفس الطريقة المعتادة يوميا ... الخ
إن هذه العادات اليومية تجعلنا في واقع الأمر نقتصد فيما نبذله من الجهد المطلوب لإنجاز واجباتنا اليومية، ومن ثم لا نقوم باكتشاف طرق جديدة للذهاب إلى العمل، أو فعل ما يتوجب علينا فعله يوميا، وهذا ما ينطبق على طرق تفكيرنا، وتكوين آرائنا، فعندما نستمع إلى الأخبار أو نقرأها في جريدة ما، نكون في أغلب الأحيان منحازون لموقف مسبق في هذه القضية أو تلك، حازمين لاختياراتنا، محددين لمواقفنا، ومن ثم لا نجهد أنفسنا في تكوين آراء جديدة، فعادات التفكير تجنبنا ضرورة اتخاذ قرارات جديدة في موضوعات تبدو بالنسبة لنا موضوعات قديمة، وفائدتنا الوحيدة من وراء هذا هو الاقتصاد في الجهد الفكري المبذول .
ربما يبدو هذا مألوفا واعتياديا ومفيدا في اللحظة الأولى، وقد يوافق عليه البعض بوصفه أمرا مفروغا منه، بل ويستحسن ما قام به (قائد السفينة) حيث ربط ما هو معلوم لديه بما هو مجهول ليصل لحكم ما، (وهذا حقه ووجهة نظره)، حيث نقوم جميعا بفعل هذا بشكل يومي، إذ نحكم مطمئنين على الآخرين، ونضعهم في قوالب وأنماط، نتخذ منها موقفا، ومن ثم نغلق القضية ونحن فرحين واثقين، ولا نرضى لأحد أن يشكك في مواقفنا واختياراتنا، وعندما نستمع إليه نستحضر أنماطنا و(عادات تفكيرنا) وبالتالي مواقفنا قبل أن ينتهي من حديثه، وإذا اضطررنا للاستماع نشغل بالنا بأشياء أخرى أونشرد بعيدا بأفكارنا، فنحن نعرف ما قال وما سيقول، وموقفنا محدد سلفا، ومبادئنا لا تتغير .
وهنا تأتي اللحظة الفارقة عندما أكون أنا هذا الشخص، ومن ثم سيتم معاملتي تلقائيا بالمثل، فإذا كان لدي عادات تفكير راسخة، فالآخر يمتلك عادات التفكير خاصته، وربما تكون أكثر رسوخا، ويقع مثلي في أخطاء تبدو لي طبيعية، فلديه أحكامه المسبقة، ويمتلك قوالب يضعني في أحدها بالفعل، ويقع في نفس فخ نفاذ الصبر عندما أتحدث، فلا يعيرني انتباها، ولا ينصت لما أقول، ويمتلك أيضا مبررات تبدو قوية بالنسبة له تجاه أفكاري وآرائي، ومن ثم فموقفه محدد سلفا ولا يمكن له أن يغير مبادئه .



والسؤال الذي يطرح نفسه علي بإلحاح، هل يمكن لنا أن نحيا سويا في ظل وضع كهذا، هل يمكن لـ (قائد السفينة) أن يحل معضلة التعايش هذه، وفي واقع الأمر فإن الإجابة مخيفة، إذ لا سبيل لحلحلة وضع كهذا إلا عبر ممارسة عنف ما تجاه بعضنا البعض ليفرض رأيه (الحق) على آرائنا (الباطلة) في معركة تبدو لكل منا (معركة مقدسة) .

هناك 7 تعليقات:

تعليقك على المخطوطة دليل إيجابيتك في التفاعل مع الأحداث ، فلا تجعل عناد قلمك يسلب منك تلك الإيجابية

Google+ Followers

ضع بريدك هنا وتابعنا